الأمير الحسين بن بدر الدين

89

ينابيع النصيحة في العقائد الصحيحة

ولا أعلم ما في غيبك « 1 » . ومثل ذلك روي عن مجاهد ، وفسّره جماعة من الصحابة ، منهم ابن عباس بأن معنى « 2 » ذلك تعلم ما في سري ولا أعلم ما في سرك « 3 » . وهذا القول ليس ببعيد عن الصحة ؛ فإن السر وإن لم يكن يسمّى نفسا - فإنما ذهب المفسرون إلى معنى ما في قوله ولا أعلم ما في نفسك ؛ لأن الذي يقع على غير النفس ، والذي في النفس شيئان : أحدهما الأعضاء الباطنة ، والآخر ما يعتقده الإنسان في قلب « 4 » وهو السر . فلمّا لم يرد الأعضاء الباطنة علم أن المراد به السّرّ والعرف جرى عليه ، وذلك لأنه لما كثر قولهم أخفى في نفسه شيئا ، وأضمر في نفسه شيئا ، ولا أعلم ما في نفسه ، وكثر استعمالهم له - صارت هذه اللفظة عبارة عن السر والغيب لكثرة الاستعمال . وهذا المعنى هو الذي يقتضيه نمط الآية ؛ لأنه [ عيسى ] لمّا أراد بذلك البراءة مما تقوّل عليه من جعله إلها بيّن أنه لو قال ذلك لعلمه اللّه ؛ لأنه يعلم سره ، فكيف لو جهر به . ومما تعلقوا به قوله تعالى : وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ [ آل عمران : 28 ]

--> ( 1 ) المارودي 2 / 88 . والكشاف 1 / 694 . والرازي مج 6 ج 12 ص 143 . حيث قال : المسألة الثانية - تمسكت المجسمة بهذه الآية ، وقالوا : النفس هو الشخص ، وذلك يقتضي كونه تعالى جسما ، والجواب من وجهين : الأول - النفس عبارة عن الذات يقال : نفس الشيء وذاته بمعنى واحد . والثاني - أن المراد تعلم معلومي ولا أعلم معلومك ، ولكنه ذكر هذه الكلام على طريق المطابقة والمشاكلة . وهو فصيح . وينظر القرطبي 6 / 242 . ( 2 ) في ( ب ) أن معنى . ( 3 ) الدر المصون للحلبي 4 / 514 . ( 4 ) في ( ب ) : في قلبه ، ولعل الهاء ملحقة .